مسرحية “أنا حرة”.. جولة في المعتقلات “الإسرائيلية”
عمان ـ الدستور ـ رشا عبدالله سلامة:
لا تنفكّ القضية الفلسطينية تُثبت كل يوم أن فيها من التفاصيل ما يكفي لإثراء عدد لا منتهي من الأعمال الإبداعية، ومن دون أن تستلزم تلك التفاصيل بهارات مبالغة أو خيالات؛ بل يكفي نقل الواقع كما هو، بمعالجة فنية محكمة ومهنية، للخروج بعمل أدبي أو مسرحي أو سينمائي أو حتى غنائي على مستوى عالٍ من المصداقية والواقعية.
مسرحية “أنا حرة”، التي عُرِضت الأربعاء الماضي على خشبة مسرح البلد، وسط حضور لافت، أثبتت ما سبق؛ إذ اكتفت بنقل جولة واحدة فقط من جولات التحقيق في المعتقلات “الإسرائيلية”، مستندةً إلى شهادات حية من معتقلين سابقين، فكانت على درجة عالية من التمكّن، ولاسيما وأن بطلة العرض فالنتينا أبو عقصة هي من أمسكت بزمام تفاصيل المسرحية فكرة وأداء ورؤية، فجاء تمثيلها لافتا من حيث تقمّص الحالة، إلى حد لم تستطع فيه الانسحاب من الدور بسهولة حين حيّت الجمهور في نهاية العرض.
استعرضت أبو عقصة، مع الممثل الحيفاوي إياد شيتي، الذي أدّى دور المحقق “الإسرائيلي” باقتدار بالغ، جوانبا عدة مما يحدث في أقبية التحقيقات، كالاستعانة بمحققين على درجة عالية من الإلمام بتفصيلات الثقافة الفلسطينية، المجتمعية والتراثية واللغوية والنفسية، وإن كان متوقعا أن تكون في لهجة المحقق، الذي يتحدث العربية بطلاقة، بعض اللكنة العبرية التي لم تظهر عند أداء شيتي لدوره. أيضا كان التطرق لمنهجيتيّ الترغيب والترهيب التي يبرع المحقق “الإسرائيلي” في اللعب من خلالهما على أوتار فلسطينية وشرقية حساسة، كالتهديد بالفضيحة والاعتداء الجنسي، في حال عدم التجاوب مع محاولة المحققين انتزاع الاعترافات.
الحوار كان على مستوى عالٍ من التكثيف، في مدة عرض لم تتجاوز الساعة، تم من خلاله الإلماح لنقاط سياسية ومجتمعية هامة، ما يعدّ رسالة موجهة للطرف الفلسطيني وليس “الإسرائيلي” فحسب، حين قال المحقق للمعتقلة بأنها تقاسي التعذيب، فيما جماعتها، كما سماهم، “يدورون من بلد لبلد ومن كأس لكأس وفي أفخم الأوتيلات”، لتكون الثانية حين قال لها بأن مجتمعها لن يحتفي بتجربتها النضالية كثيرا؛ لأنها امرأة في مجتمع “ذكوري متخلف”.
ما سبق لا يُعفي الحوار من مثلبة كبيرة انساق لها، حين اختار مقاطعا شعرية وفلسفية بالغة التعقيد في ترافع المعتقلة عن شعبها، وبنبرة صوت عميقة وثابتة لا تتناسب وفتاة تعرضت للتعذيب للتوّ، لا سيما حين كانت تؤديها بسرعة كمن يسمّع مقاطعا اجتهد في حفظها.
“أنا حرة” مسرحية حبلى بالتفاصيل الدقيقة والبالغة الأهمية، لاسيما إن تمت ترجمتها وعرضها في محافل عالمية، كما تثبت أن العمل الفني الذي يقوم على رسالة قوية وعناصر أداء ناجحة ومتمكنة من شأنه تحقيق الهدف المنشود من دون الاستناد بالضرورة لديكورات باهظة الثمن ولميزانيات عالية.



حوار مع الأستاذ سعيد المفتاحي
الدكتور عائض القرني
موسى مصطفى