مسجد قرطبة

قام عبد الرحمن الأول ببناء المسجد قرب الناحية الغربية من قصره، عند نهاية الجسر الروماني الذي يفصل بين قرطبة “والضاحية”. وينقسم هذا المبنى الذي اتخذ شكل مربع إلى فضائين الأول خاص بالبلاط والثاني مخصص لقاعة الصلاة التي كانت تتألف في عصر بنائها، من أحد عشر صحناً بنيت بشكل عمودي وفقاً لحائط القبلة.

مسجد قرطبة

شهد داخل هذا المبنى ابتكاراً كبيراً تجسد في اعتماد نظام من العقود المتراكبة في القناطر التي كانت تحدد الصحون عقد كامل على المستوى المنخفض ونصف دائري في الجزء العلوي، وربما كان هذا النموذج مأخوذاً عن قناطر المياه الرومانية مثل تلك المستخدمة في مريدا. إن هذه التقنية تجعل من العقد العلوي عقد عاتق يرتكز عليه سطح المبنى. من جهة أخرى، إن تقنية وضع العقود الواحد فوق الآخر تؤدي إلى تصميم قاعة مرتفعة وشاسعة للصلاة في حين أنها تسلط الضوء على أعمدة المستوى المنخفض. إضافة إلى أبواب مختلفة في الساحة كان يستخدمها المصلون، يمكن الدخول إلى المبنى عبر مدخل أقيم في الحائط الغربي، وكان يسمى باب الوزراء والذي عرف أيضاً تحت اسم باب سان إسطفان المخصص للحاكم ولحاشيته.

تمثل التوسيع الأول للمسجد بتمديد الصحون الأحد عشر نحو الجنوب، مما أدى إلى تدمير حائط القبلة الذي تشير إلى مكانه الأول عدة أعمدة أكثر سماكة تتلاءم مع الدعائم الخارجية التي يمكن رؤيتها من داخل المسجد. ولكن تم الاحتفاظ بنظام العقود المتراكبة. بعد أن قام عبد الرحمن الثالث بتأسيس الخلافة عام 929، أصبحت قرطبة عاصمة لدولة قوية. فاستؤنفت أعمال الترميم بهدف جعل المسجد مبنى يتناسب مع مكانة الخليفة، فتم تزويده بمئذنة كبيرة كما تمت إعادة تشكيل الواجهة المطلة على الفناء.

في عهد الحكم الثاني، بين 962 و968، تركزت أعمال الترميم على داخل قاعة الصلاة التي تم توسيعها من جديد نحو الجنوب من خلال إضافة اثني عشر صحناً على الصحون الإحدى عشر الموجودة أصلاً. وشهد المسجد بذلك التوسيع الأعظم خلال طيلة فترة وجوده. كما أقيمت قبة كبيرة معرقة مع مَنْوَر من الحجر في المكان الذي كان مخصصاً قديماً لمحراب عبد الرحمن الثاني، وهي تحدد الدخول للأجزاء الجديدة التي أضيفت على المسجد والتي تنتهي، إذا ما تبعنا محور الصحن المركزي، بالقبب الثلاث الكبيرة التي أقيمت أمام المحراب الجديد الذي يمثل فعلا، غرفة مسقوفة بقبة محارية الشكل. ويعطي هذا الأسلوب للمسجد تخطيطا على شكل حرف التاء بالأجنبية T إذ أنه يفصل بين الفضاء المخصص للمقصورة الخاصة بالخليفة وباقي أقسام المبنى. فظهرت حينها صيغ هندسية جديدة مثل العقود المتعددة الفصوص والأقواس المتداخلة والقبب المعرقة. إضافة إلى ذلك، تم تغطية كافة الأجزاء الظاهرة من المبنى إما بألواح محفورة أو بزخارف من المنمنمات الزجاجية على خلفية ذهبية، مأخوذة عن الفن البيزنطي وموضوعة بمساعدة حرفيين بيزنطيين دون أدنى شك.

أما آخر توسيع للمسجد والذي كان أقل إتقاناً، فقد تقرر في عهد الوزير الأول المنصور عام 988، بهدف زيادة مساحة المبنى إلى الضعف إذ تمت إضافة ثمانية صحون على خط الطول، مما أدى إلى توسيع الفناء من الناحية الشرقية وجعل قاعة الصلاة في موضع غير مركزي بالنسبة للمحراب القائم. ولكن يمكن الإشارة إلى ميزة خاصة بهذا التوسيع الأخير، تجسدت في استبدال العقد الكامل المنخفض بعقود متعددة الفصوص وذلك استجابة لبعض دواعي الاستعمال.

يشكل هذا المسجد الكبير خلاصة للفن الإسلامي والإرث الروماني حيث أن مراحل بنائه الأربعة تتميز باللجوء إلى نظام مزدوج الهيكلية في بناء القناطر، أي أعمدة تعلوها الركائز. وأظهر إويرت أنه تم إقامة مسجد مماثل في عدة أبنية دينية مثل مسجد باب مردوم الصغير في طليطلة أو مسجد حسن للموحدين في الرباط. كما أن المخطط على شكل حرف التاء بالأجنبية T والذي صمم خلال توسيع الحكم الثاني، يشير إلى الاستخدام المزدوج والمتناقض لـِ “القبلة ـ وجناح الكنيسة” الذي تم استخدامه فيما بعد في مساجد الموحدين الكبرى خلال القرن الثاني عشر في تينمال وفي مراكش وفي إشبيلية.

في 29 يناير 1236، استولى فرناندو الثالث إل سانتو على مدينة قرطبة. كما تم تخصيص المسجد الكبير، في السنة نفسها، لممارسة الطقوس المسيحية، فأدخلت عليه عدة تعديلات وتغييرات. ابتداءً من القرن السادس عشر، بوشر في بناء كاتدرائية داخل المسجد، بأسلوب النهضة ومخصصة للعذراء مريم وهي تحتل حالياً وسط قاعة الصلاة.

التعليقات: 2

  1. عبد الهادي اطويل 2011/03/29

    تجربة تعليق.
    هذا أول تعليق ^_^

  2. المرشد 2011/08/15

    كنا سلاطين ألأمم هاماتنا مثل النخيل ما تنحني ودروبنا ماهي أبد متفارقه

عبر عن رأيك

إعلانات

الأكثر زيارة

الأكثر تعليقا

أحدث التعليقات