قبة الصخرة
شيّدت قبّة الصخرة، وهي أوّل معلم يصل إلينا من العهد الأموي على مصطبة كان يقوم عليها سابقا معبد سليمان وتتصل بها تقاليد عديدة يهوديّة ومسيحيّة وإسلاميّة. ويندرج مثالها المتمركز على أروقة مضاعفة حول الصخرة المقدسة ضمن سلالة المعالم اللاّحقة الرومانيّة والبيزنطيّة. أمّا زَخرَفَتُها فهي على غاية من الرقّة والبذخ وممّا لاشكّ فيه أنها من عمل حرفييّن محليين حذقوا التقنيات البيزنطيّة وهي زخرفة تحترم الفكر الإسلامي فلم تبرز أيّ كائن حيّ إنسانا كان أو حيوانا ولقد انتقلت هذه الزخرفة فيما بعد إلى الجوامع الأمويّة المهمّة مثل جوامع دمشق وحلب وحماة والمدينة.

قبة الصخرة
لقد وقعت في الأصل معالجة كامل المبنى داخليّا وخارجيّا على حدّ سواء حَسَبَ نفس المبادئ يعني زخرفة كاسيّة متعدّدة الألوان تقوم على تناظر واضح يسهم في توازن المبنى بكامله لكن فضلا على ذلك فإننا نقف على كثير من الخيال العجيب غير المألوف حيث تتعايش أحيانا نماذج كالشجر مثلا فتكون مرسومة طورا بشيء من الواقعيّة وطورا آخر بأسلوب مختزل جدا مع تكييف ملحوظ للرّسوم وفقا للمساحة المقصود زخرفتها.
وهذه الخصوصيّات ستتواصل في الفن الإسلامي وتعمّ كلّ الأقاليم والعصور.
وقد كسيت الجدران إلى علوّ حوالي سبعة أمتار بلوحات من رخام منحوت تشكّل نماذج زخرفيه وأحيانا ترصّع هذه اللوحات نفسها بخطوط من أحجار ملوّنة ترسم نماذج زخرفيّة أخرى وينتشر فوق هذه اللوحات الرّخاميّة بساط من فسيفساء زجاجيّة متعدّدة الألوان بعضها ذهبيّ أو فضّي مزيّن بالصدف. وأما خارج المبنى فلم يبق من هذه الفسيفساء إلاّ بعض أجزاء في سقيفتين اثنتين فحسب وتمّ تعويض الفسيفساء في ما بقى بمربعات خزفيّة جلبت من “أزنيك” بأمر من سليمان القانوني حامي الأماكن المقدّسة وسيّد كل البلدان الواقعة على جانبي البحر الأبيض المتوسّط الشرقي والجنوبي فيما عدا بلاد المغرب الأقصى. وفي داخل المبنى لا تزال الزخرفة الأصليّة قائمة في أغلب الأجزاء باستثناء السقوف والقبّة التي تمّ طلاؤهما بالدهان كما نجد بعض لوحات من رخام يوهم تلوّنها بقماش متموّج يسمح بين الحين والآخر بإبراز أحجار ذات ألوان متضادّة(1). وأمّّا تيجان الأعمدة الكورنثيّة فمذهّبة وأمّا خشبات التثبيت والعوارض وأساكف الأبواب فكلّها مغلّفة بصفائح البرونز عليها زخارف نباتيّةّ مختلفة أنجزت بطريقة الطرق.وهي زخرفة موروثة عن الفن المتوسّطي القديم وكذلك الفن الساساني.
وقد ركّبت فوق اللّوحات الرخامية فسيفساء ذهبيّة ترسم أفاريز من مشكاوات على شكل أصداف كما نشاهد زينة نباتيّة زاهية تتشكّل من أغصان وباقات أزهار “الأقنثية ” وأشجار على شكل شمعدانات ونخيل مثمر صُوِّر أحيانا بالأسلوب الطبيعي وأحيانا أخرى بطريقة مختزلة ولكن مع المحافظة على تناظر واضح في كل الحالات. وتبرز في الصحن الدّائري المقبّب وكذلك في الرّواق الأوّل تحف ثمينة متلألئة تتعالق مع النباتات مشكّلة حول الصخرة إكليلا من العطايا أثبتت بعض الدّراسات بأنها تحف وأكاليل وتيجان بيزنطيّة وساسانيّة وغيرها تَمَلَّكَهَا العرب من الشعوب التي أخضعوها تماما أو جزئيا. وقد كانت هذه التحف رموزا للسلطة عند هذه الشعوب. وهناك علامة أخرى توضّح إرادة العرب في إبراز تفوّق الإسلام في المناطق التي كان فيها المسيحيّون يمثّلون الأغلبيّة ونقصد بذلك تلك الكتابة المديدة المذهّبة المبسوطة على مهاد أزرق والمهيمنة على مجمل زخرفة المثمّن الخارجي. ولم يكن اختيار الآيات القرآنيّة المكتوبة من باب الصدفة بل هي آيات تتضمّن اعترافا بالمسيح وبمريم وبأن المسيحيين من أهل الكتاب وفيها كذلك إشارة إلى معراج الرّسول محمّد وتأكيد بأن العقيدة الوحيدة الحقيقيّة هي الإسلام. إنّها أوّل كتابة ضخمة في الحضارة الإسلاميّة أمّا موقعها فيرمز إلى القوّة الإلاهيّة المطلقة وإلى قداسة كلام الله.
إن خطة بناء قبة الصخرة لم تنفذ من بعد على صروح أخرى، ولكن عناصرها المعمارية وزخرفها، التي أخذت من الحضارات السابقة، دمجت ونقلت بتوليفة منسجمة نجدها على معظم المنشآت الأموية.



حوار مع الأستاذ سعيد المفتاحي
الدكتور عائض القرني
موسى مصطفى